مقالات

هل فكرت يوماً.. في الله؟!

Advertisements

كتب- احمد تاج.

منذ فترة ليست بالقصيرة كتبت منشور صغير على هيئة عنوان (Abstract God).
لم ينتبه الكثيرون او قل لم ينتبه أحد على الاطلاق للعنوان وسط سيل الاخبار و الموضوعات التي تملأ فراغ الفضاء الرقمي لكن, الان و بعد اقضاء مدة كافية من البحث قررت الحديث عن معنى الإله المطلق/ المجرد أو الـ Abstract god كما خلصت اليه بمعارفي المتواضعة .

منذ عدة قرون و إبان دراسة باروخ سبينوزا عن الذات الإلهية في مطلق شروحاته و عمله التام ( لاهوت و ناسوت) و الذي قيل عنه بسببه انه ( ثمل باللهوت) و تم تكفيره بناء على نظرته عن الله فقد وصل سبينوزا المغرم بالذات الإلهية ( على طريقته الخاصة) الى ما مفاده ان الله ( حيادي غير متدخل / impartial & un-intervenient ) و هو التعبير اللذي ظللت ابحث عن معناه طيلة سنوات .

نستطيع كلنا ان نفهم كون الله نزيه و حيادي بمعنى عدم المحاباة لأحد من خلقه على حساب الآخر و بالرغم مما يقدمه لنا هذا المعنى من التساؤلات الفلسفية الغير مجابة عن النزاهةأو الحيادية في مقابل العدالة مثل:

– لما يترك الله بعض خلقه ذو هبات او نعم أكثر من الغير أو لما يرتضي ان يتعرض إنسان ما للظلم أو تتعرض مجموعة بشرية الى الكوارث الطبيعية أو لما يفتقد عرق بشري الى بعض الصفات الوراثية التي يحظى بها غيره الخ الخ الخ …(طبعا بعيدا عن اجابة محمود ابو زيد و علي عبد الخالق في فيلم جري الوحوش عن نظرية الـ 24 قيراط الساذجة)
الا ان كلمة ( غير متدخل) تعطي اجابة وافية عن ذلك السؤال-لما؟- و التي يسالها الجميع بداية من قليلي الرزق و الامهات الثكلى و حتى دارسي الانثربوبوجيا و التطور مع اختلاف ايمانهم بفكرة (الإله الخالق كلي العلم).

فاذا كان الله حيادي و غير متدخل في حياتنا المباشرة ( اختياراتنا على وجه الخصوص) فاذاً هو يقوم بدور المراقب لا الرقيب و يرجيء حكمه حتى النهاية ( الديمومة أو يوم القيامة ) ليصدر حكم نهائي تام على البشر طبقا لأعمالهم . بل ان تعريف حيادي و غير متدخل يعطينا اجابة عن سؤال لم نسأله في الاساس و إن ظل يحير الفلاسفة الاسلاميين و دارسي اللاهوت المسيحيين و القباليين من اليهود طوال قرون ( الانسان مسير أم مخير ؟)
فالتعريف السابق لسبينوزا يعطينا الاجابة الشافية القاطعة …

الانسان مخير تماما في حدود تجربته المعطاه اليه … اي أنك مسير في معطياتك و مخير في تصرفاتك لتكوّن تجربتك الانسانية الفريدة في العيش. و الفكرة قريبة هنا من الاثبات المنطقي لوجود الله ( الدليل الانطولوجي – نسخة جودول المنطقية) و ان كان شرح هذا الدليل صعب جدا على غير دارسي علوم المنطق في الاساس و استنفذ من عمري قرابة السبع سنوات لفهمه

( تستطيع الاطلاع عليه من الرابط https://www.facebook.com/search/top?q=%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AB%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%B7%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%20 )

الا انه ( بالتبسيط المخل) يثبت وجود الله من خلال معطيات حياتك و التي لابد لصناعتها من وجود مُعطي لكي تُعطى) و هو شبيه في ترتيبه لنظرية التصميم الدقيق ( حيث كل مُعطى قد صمم خصيصا للمَعطي اليه) .
ولكن مع روعة

اجمال دور الله في حياة البشر بكونه معطي حيادي و غير متدخل الا انه يثير معضلة تاليه أخلاقية . نزاهة الله
نزاهة الله و حياديته لا تفسر لنا وجود الشر .. الشرور بشكلها المطلق طبقا لعلم الاخلاق , أي كل حدث من شأنه تقويض حرية و سعادة و تمام حياة البشر يكون ضمن المعطيات . لما يعطي الله الشر بقدر عطاؤه للخير .

هل الله خيير فقط؟!
طبقا لمفهومنا البسيط عن الله فلا يمكننا ان نقبل بالمفهوم الابسط الذي ننقله للأطفال بأن الله خير و أن كل الخير يأتي من الله و كل الشر يأتي من الانسان أو من شيطانه ( سواء الشيطان المعنوي أو الشيطان بشكله الابراهيمي المتعارف عليه) لماذا ؟! لأن الله مطلق .

فكرة الاطلاق تجعل الله هو ليس فقط منبع كل الخير و كل الشر و كل شيء آخر بل انها تجعل الله هو ذاته الخير و الشر و كل شيء آخر … فاذ اجتمع الضدان في آن ( الخير و الشر) فالصوة عن الله الحيادي النزيه تبدأ في الاهتزاز ( و انا هنا لا اعني فقدان الثقة في الله و انما اعني فقدان الثقة فيما توصلنا عنه لفهم الله ) .

الأمر اشبه باجابة سؤال تفتح المجال لسؤال جديد فتجيبه فتفتح الاجابة الجديدة الباب لسؤال جديد و هكذا دواليك بلا نهاية …سلسلة من الاسئلة تجعلنا ندور في دائرة مغلقة من البحث . لكن الاجابة موجودة

من الغريب ان فكرة الاجابة عن معضلة الذات الإلهية و مقصدها من الخلق و حرية البشر و اصل الشر و قبول العطايا الإلاهية و تقسيمها ( بالشكل الابراهيمي للأديان السماوية) تجيب عنها الفلسفات الدينية الشرقية التي لا تؤمن بوجود الإله الابراهيمي من الاساس ( كالفلسفات الطاووية مثلا) و هي تلك الفلسفات التي من الممكن ان نختصرها في العنوان الذي خلص اليه باروخ سبينوزا في هولندا في القرن السابع عشر … الإله المجرد ( Abstract God) مطلق التكوين .

فكرة الإله المجرد Abstract بقدر ما قد تظهر في البداية كفكرة تناقض الايمان التوحيدي ( و قد تم تكفير سبينوزا و نعته بالهرطقة بسببها لفترة ما ) و كونها تناقض الايمان بكون الله غير حكيم و غير واعي في عطاؤه أو امساكه بل هو غير متدخل يعطي العطية مرة واحدة و يتم تداولها بين البشر على حلقات متعددة بالتوالي و التوازي و التصارع . الا انها تجيب عن جميع الاسئلة دفعة واحدة .

انا هنا لا أؤيد تلك الفكرة أو ارفضها بل اقوم بعرضها مسجلا اعجابي بها تماما … خلال العرض القادم سأدمج بين الفلسفة الشرقية ( الوثنية) عن اتحاد الروح و بين فلسفة سبينوزا من خلال مثال (ديني توحيدي مقبول) لجعل الفكرة اقرب الى الفهم لغير المتخصصين ( من امثالنا).

بالعودة الى قصة الخلق الأولى و التي اتفقت الاديان عليها ( خلق الله آدم و نفخ فيه الروح) الروح هنا هي الوجود .. لا الوجود المادي و لكنه وجود الوعي بشكل الطبيعي المتعارف عليه .

و الوعي يعني السؤال و المعرفة و البحث و الادراك و التطور و هي القدرات الواعية التي حرم منها مخلوق ( أسمى) هم الملائكة الذين ينفذون الأمر الإلهي بشكل مباشر و لا يتناسلون فلا يتناقلون الوعي .

المخلوق الثاني الذي تشارك الوعي مع الانساس هو الشيطان فهو المخلوق الذي استطاع قول أول ( لا ) في التاريخ الديني المكتوب و المسجل. فكان من إجلال هذه النعمة المسبغة عليه ( الوعي) انه تحاور مع الله و توعده الله و اقسم هو لله في المقابل و هو نوع الحوار الغير موجود بين الله و الملائكة الذين يؤمرون فيطاعون بشكل مباشر و يكمن رقيهم في طاعتهم لا وعيهم .

بالعودة الى آدم الواعي الذي (علمه الله الاسماء كلها ) و انبأ الملائكة باسمائهم لأول مرة . فإن هذا الوعي هو ذاته جزء من الوعي الإلهي الممنوح له مباشرة …
تلك الروح التي نفخت في آدم ما هي الا جزء ضئيل ذري من الروح الاولى و الاساسية …روح الله .
ما يحدث للروح الواعية هو انها تتجزء و تنتقل و تتحد مع كل خلق جديد يقتسم الروح الممنوحة للاب الأول و الأم الأولى … الانتقال الواعي الانثربولوجي و الفطري و الانعكاسي …ما يرثه الابن من والده كالصفات الوراثية و السلوكيات الغير واعية و الانعكاسات الشرطية المباشرة و المخاوف الاساسية … لأنها جزء من الوعي المنقول …جزء من الروح .
تلك الروح التي تقسم بين بني آدم تجلعنا في النهاية نتشارك لكنا في روح واحدة …هي روح الله ذاته … نحن نحمل جزء ذري من الله بداخلنا !!

حسنا..دعونا نعود للقصة التوراتيه … حين اختار قايين ( قابيل) قتل اخيه . فهو قد اختار الشر بينما اختار هابيل الطاعة … هل معنى ذلك ان روح الله بداخل قابيل قد قتلت روح الله بداخل هابيل … كلا !
ما حدث هنا من (شر) ما هو الا انقلاب الروح على ذاتها اي انه ضر من الذات لذاتها ( كأن تضرب رأسك في الحائط فهو شر واقع منك عليك و من ذاتك اليها) …

تلك الرؤية تفسر معنى الخلق بكونه اختبار … حين نقول ان الله خلقنا ليختبرنا فأننا بالتطبيق على المثال السالف نرى ان ما يحدث في الحقيقة هو ان الروح الواحدة التي قسمت على اجساد عدة عبر كل مراحل التاريخ تختبر كل المواقف كل التجارب كل العطايا كل الهبات كل الخير كل الشر … مع اختبار كل انسان فكل روح تختبر و تزيد من عمق اختبار و خبرة الروح الواعية الاساس ( اختبار من الخبرة لا اختبار بمعنى امتحان) و بالتالي مع ازدياد الخبرة يزيد الوعي …الوعي الجزئي لكل فرد ,فمع ازدياد الخبرة يزداد نهله من الخبرة المطلقة لله المطلق .

ما يحدث فعليا هو ان الله يختبر معنا قضاؤه … يختبر قضاؤه فينا … يحيى التجربة التي نحياها لأنا جزء منه و نحمل جزء منه بداخلنا … و ذلك يفسر بشكل جلي معنى ( الاختبار الإلهي للبشر)

المعضلة الوحيدة هنا هي ( اذاً, نخلص الى ان الانسان مسير تماما لا مخير …الروح الإلهية الواعية داخلنا هي ما تختبر و نحن مجرد حاويات من اللحم و العظام تنفذ تصريفات تلك الخبرات ) و بالتالي ,لما يعاقب انسان بالجحيم و يمنح انسان اخر النعيم على اختيارات لم يقم بها بل نفذها لصالح الخبرة الإلهية .؟.. و هل يحتاج الله لمزيد من الخبرة بخلاف خبرته المطلقة الموجودة سلفا منذ الازل ؟!

الاجابة ابسط مما يكون يا اعزائي . حينما يؤمن المسلم ان الجنة ( ما عين رأت و لا اذن سمعت و لا خطر على بال بشر) و يؤمن المسيحي ان الجنة هي ( الملكوت) فالواقع الفلسفي هو ان الجنة ما هي الا اتحاد الروح ( او تحديدا الجزء المقتطع منها بداخلك ) مع مصدرها … اتحاد وعيك الجزئي مع الوعي الكلي للإله و هي قمة العظمة و الراحة .

يكمن النعيم الابدي في اتحاد الروح الواعية لفلان للروح الواعية المصدر أو الاساس ( روح الله) و يكمن العذاب في وقع الألم الذي انتجته هذه الروح الواعية في الدنيا عليها في الاخرة ( اي ان الألم او الشر الذي اوقعته في حياتك على البشر ستعود لتشعر به في الحياة الاخرى المتحدة ..كل ما هنالك ان روحك لم تشعر به بعد لأنها لم تتحد مع المصدر و لكنها ستعود لتشعر به كاملا حين تتحد مع المصدر) اي ان عقوبتك هي تأجيل ارتداد الالم اليك من تو اللحظة الى لحظة لا ريب فيها و ذلك يفسر لما تم وعد البعض بعذاب ابدي لأن خبرتهم المضرة الواقعة على الروح أبدية و لما وعد البعض بعذاب وقتي مخفف لانهم اختبروا هذا النوع من الالم في الدنيا و لان فعلهم المضر على الروح المصدر ضرر سطحي غير باقي .

في الواقع فإن اي ضرر يقوم به الانسان للروح الواعية لا يعد ضرر في حد ذاته لأنه يعمق وعي تلك الروح .
– مثال : اختبار الانسان الأول للحرق بالنار واكتشافه انها ساخنه حارقة … اورث جميع البشر رد فعل انعكاسي فطري تجاه النار فحتى الاطفال حديثي الولادة يهابون النار فطريا ان قُربت اليهم .
أعلم انك ترفض هذه الصورة و تراها موغلة في الفلسفة التي لا طائل منها … و لكن إن وعيت تماما لفكرة الاله (المجرد الحيادي الغير متداخل ) ستجد انك تستطيع الاجابة عن الاسئلة التي طالما احتار البشر في تفسيرها:

اين الله ..من هو الله …لما خلقنا الله … ما معنى ان الله مطلق العلم …الانسان مخير او مسير … لما يدخل البعض الجنة و لما يدخل البعض النار … لماذا لا تتساوى هبات الله لكل البشر ؟؟؟

بل انك قد تستطيع وحدك الاجابة عن بعض الاسئلة الخاصة استنادا الى تلك الرؤية مثل:

من هو النبي و ما تعريفه …ما هو الوحي … المسيح رجل ام إله … هل جميع الاديان هي تنويعات على اصل واحد … لما خلق الله البشر …هل هناك حيوات أخرى … هل نحن المخلوقات الواعية الوحيدة في الكون … هل الشيطان فكرة أم مخلوق مادي ؟؟؟
اسئلة لن اجيبك انا عليها و لكن تستطيع انت الوصول لإجابتها بالشكل المرضي و الذي قد يتوافق مع ايمانك الديني أو يتعارض معه ( في كلا الحالتين ستزيد الاحتمالات من تعميق وعيك و بالتالي الوعي الكلي و تعود عليك بالمنفعة الدنيوية و الاخروية)

Advertisements

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى