جنة في جزيرة العبث!

بقلم- محمد خلف
تناولت رواية بارادايس للأديب عاطف عبد الرحمن حكاية فتاة منذ ما قبل مولدها.
صدفة أوقعت والدها في طريق سيدة فرنسية طلبت منه شيء محدد واستجاب هو له ففتح عليه وعليها أبواب الصراع قبل أن تفتح عينيها للنور، فظلت أسيرة له حتى انتهت أحداث الرواية.
تناول عاطف عبد الرحمن في روايته الحائزة على جائزة إحسان عبد القدوس لدورة ٢٠٢٠ دورة حياة جنته التي يسعى إليها (بارادايس أو روضة) في إطار عبثي دارت أحداثه في مكان غير معلوم في زمان غير معلوم، لكن الزمن هنا هو حياة الفتاة نفسها.
يمكن للقارئ (وله مطلق الحرية) تأويل النص كما يحلو له، فهو يحمل من الرموز ما يثير الخيال نحو العديد من القضايا والأحداث الدائرة محليا وعالميا.
رأيت كقارئ استمتع بالعمل لأقصى درجة أن الأشخاص في الرواية ما هم إلا مجرد تشخيص لمعان أو مفاهيم مطلقة، فعلى سبيل المثال رأيت في (الأب) الذي حاول دوما توجيه الفتاة في حداثتها وتعليمها صورة (العلم) -مذكر- الذي يفتح مدارك الانسان ويرفع من مستويات وعيه، وهو أيضا ما يوجه نحو (الفن والأدب والإبداع) الذي مثله (الطبيب عصام) -مذكر- الذي استأثر بغرفة في مستشفاه او عالمه الذي استولت عليه (المادية أو النفعية) التي تمثلت في (زوجته المتسلطة) – انثى- الرافضة لنشاطه الفني فظلت تضيق عليه الخناق حتى استسلم ويأس فغادر العالم منهزما كما يطغى الغث والرديء من الأدب والفن على السطح فيخفي الجيد ويمنعه من الظهور، كما رأيت في (الجيوش المحتلة) للمدينة صورا متماثلة لم تختلف الا في لون الراية وبعض الممارسات، في البداية ارتبكت لاختلاف الالوان، ولكن مع التقدم في العمل رأيت أن الألوان لا ترمز الا لاختلاف الفرق، ولكن المعنى المطلق المقصود بكل تلك الفرق هو (الظلم والقهر والاستبداد).
اما الجدة المتمسكة بالخرافات والعادات البالية التي عاشت وماتت لغزا لم تفهمه الفتاة رغم التحول الجذري الذي رأتها عليه (وهو تحول في نظرة الفتاة ذاتها وليس تحولا في شخصية الجدة) هي التراث او الموروث الثقافي الذي يقود المجتمع ويتحكم به حتى انه في بعض الأحيان يكتسب صفات تقارب التقديس وإن كان في تلك الأحيان يمكن تصنيفه كجرم بين (مثل عملية الختان التي أصرت على إجرائها للفتاة) يتعارض مع المعتقد والعلم والقانون ايضا.
ثم نصل إلى الفتاة ذاتها..
بارادايس ..
روضة ..
ما المفهوم الذي يمكن أن يبنيه العلم، ويشكله الفن، وتصهره الضغوط والصدمات سوى الثقافة ذاتها؟
تمثل الثقافة للكاتب جنة يسعى اليها دوما ومنتهى يحلم أن يقود من خلال أعماله المجتمع إليه عبر فلسفة حياته المتمثلة في ثلاث كلمات هي (الثقافة هي الحل)، لذا كان اسم فتاته بارادايس المرادفة الإنجليزية للفردوس العربية، والتي كان اسمها الآخر روضة، والمفردتين تعنيان الجنة، لذا رأيت أن الكاتب يسعى من خلال رحلة الفتاة لمحاولة بناء دورة حياة للثقافة ممَثلا في حياة جنتة الصغيرة بارادايس.
لذا انتهت الرواية بموت الموروث والتحرر من الظلم والخروج من الدائرة المفرغة من الخضوع للعدوان واتجاه الثقافة للغرب، لباريس عاصمة النور والجمال، عاصمة الفن والثقافة لتستقي منها ما تواجه به المستقبل بعيدا عن المتهالك والمهترئ من العادات وتقاليد والموروثات الغير صالحة.
تحتل الرواية ما يقارب المئة وثلاثين صفحة من السرد مع جمل حوارية متناثرة تداخل فيها اسلوب الراوي العليم مع المتحدث على لسان الفتاة بحرفية نفت عن الكاتب شبهة السقوط في هذا الفخ غافلا، وانما هي تقنية سردية استخدمها ببراعة كل في المناطق المناسبة له، بلغة ممتعة تنقل الصوة كأنك تحياها، كما ان الكاتب بارع في بناء الشخصيات ونقل المشاعر المختلفة والمتضاربة بداخلها.
#بارادايس
#المثقفون_العرب
#عاطف_عبد_الرحمن
#محمد_خلف



