
كتب- محمد خلف
نشر الشاعر حاتم الأطير على حسابه الشخصي على فيسبوك اليوم منشورا تحدث فيه عن اسم الكنيسة المنكوبة والقديس صاحب الاسم الذي اقترنت به جاء فيه:
مَن هو أبو سيفين أًصلًا؟
أحب أن أبدأ الحكاية الموجزة من مهنة أبيه وجده، كان يصطادان الأسود والنمور وبتقديمها للملك والأمراء يحصلان على مكافأة يعيشان منها، يبدو لي وأنا ابن قرن سن الرشد (القرن الواحد والعشرون) أن هذه المهنة لازالت قائمة في عصرنا! أنت قارئ ذكي وستفهمني.
اسمه فيلوباتير ولاحقًا سيمنح اسم مرقوريوس لشجاعته، باغت الوحش الضاري جدّه وأباه فمات جدّه بينما أبوه سقط مغشيًا عليه ليرى الرؤية التي تبشره بمكانة ابنه الشهيد ويعتنق بسببها المسيحية ويتحول اسمه من يارِس إلى نوح ويسمي ابنه فيلو- باتير أي محب الأب, كـ فيلو- سوفيا أي حب الحكمة (الاشتقاق الذي جاءت منه كلمة فلسفة).
ولد فيلوباتير (مرقوريوس / أبوسيفين) حوالي 225م حيث روما القديمة تعج بصراعات وتهديدات وأسماء أباطرة متلاحقين يذكرونني بملوك الطوائف زمن التوقيع الإسلامي على جدارية أوروبا.
ولد هنا، في شرقنا الأوسط كما يحلو لغزاتنا العصريين تسميته، في حقل الأنبياء والقديسين والأولياء الذي لا ينضب، في أصفى قطعة ماء انعكست فيها أسارير السماء! فيما يبدو. هذه المرة في مقاطعة كبادوكيا في آسيا الصغرى (تركيا حاليًا وأجزاء من إيران) وعلى ذكر كبادوكيا أذكر أنني قرأت كتابًا لـ خوان غويتيصولو اسمه ” مقاربات لغاودى في كبادوكيا” ويا لها من مقاربات ماتعة ولا أنسى أبدًا فصله الذي تحدث فيه عن المدافن الشعبية في القاهرة.
ضابطًا في الجيش الروماني عمل أبو سيفين وحاز إعجاب القادة بشجاعته وورث عن أبيه مكانة مرموقة عند الملك، وحين هاجم طموح البربر كبرياء الإمبراطورية الرومانية زمن الإمبراطور دسيوس ظهر ملاك الرب -رئيس الملائكة ميخائيل- لمورقوريوس وأعطاه سيفًا فأصبح معه سيفان سيفه الروماني وسيفه الربّاني، وسأتركك تتخيل ماذا فعل سيف الله المسلول في البرابرة، والعبارة ليست تهكمية على الإطلاق، أقسم على ذلك، غير أن تشابه السيف المقدس في الشخصيتين دفعني كابن بارّ للغة إلى استعمال هذه العبارة، وإن كانت كناية ومجازًا عربيا صرفا في سيرة الصحابي خالد بن الوليد، بيمنا هي حقيقة مقدسة في سيرة القديس الشهيد مرقوريوس.
الإمبراطور دسيوس ليس إمبراطورًا شهيرًا ولا صاحب عهد عظيم وأهل التاريخ يفهمون كلامي ومدة اعتلائه العرش كانت أقل من عامين ومات مقتولا في معركة حربية، وكأباطرة وثنيين آخرين ردَّ أسباب تدهور الإمبراطورية إلى ابتعاد الناس عن العبادة الوثنية التقليدية، لذلك أخذته نشوة النصر الكبير على البربر إلى إيمانه العميق بأن رضا آلهة روما هو السبب المباشر في هذا النصر وعليه فإنه يجب استئصال الكفر بها (المسيحية) من دولته وعلى الجميع أن يقدم الطقوس اللازمة لآلهة المعبد.
المسيحي المؤمن أبو سيفين المقرب من القصر وصاحب الأداء البطولي في المعركة يرفض هذا الهراء لأن الله هو الذي نصرنا على الأعداء لا أصنامك يا دسيوس “إني لا أعبد أحدًا إلا ربي وإلهي يسوع المسيح”!
فشلت محاولات دسيوس في إقناع أبي سيفين وقيّد بالسلاسل وتم نفيه إلى قيصرية هناك على ساحل الأبيض المتوسط في بلاد كانت تسمى فلسطين وصارت تسمى فلسطين وستظل مهما توهّمت ميلشيات الصهيونية المسلحة غير ذلك.
كان عمر أبي سيفين 25 عامًا حين قُطعت رأسه في 4 ديسمبر 250م بفرمان إمبراطوري.
علّمني التاريخ -وأنا هنا في مقام تاريخ ليس إلّا- أن الحبكة الدرامية والمحك الأسطوري في قصص الأبطال الشعبيين تبدأ غالبًا بعد موتهم!
لذلك لبطلنا قصة عجيبة بعد موته وهي قصة الرجل الفقير الذي رأى في منامه القديس الشهيد مرقوريوس أبا سيفين وهو يخبره عن مكان دفنه في كبادوكيا وبالذهاب إلى موقع الدفن حسب وصف المنام “في حدائق كبادوكيا، تحت المنزل القديم في الطريق إلى القصر الملكي” يجد الرجل جثمان الشهيد أبيضَ كالثلج، ومن ثم دُفن جسد القديس في كنيسة تحمل اسمه.
قصة عجيبة بعد موته أيضا وهذه المرة تخص مصرنا العظيمة، فبعد واقعة جثمانه بسنوات زار كاثوليكوس أرمينيا ورئيس أساقفة الكنيسة الأرمنية الرسولية مصر والتقى بطريرك الإسكندرية، وهنا يطلب بطريرك الإسكندرية منه –لو كان بالإمكان- نقل جزء من رفات القديس الشهيد إلى الكنيسة التي تحمل اسمه بمصر لتحل البركة في وادي النيل وفعلًا تم نقل جزء من رفاته إلى مصر في مراسم رسمية.
تذكرت معي قصة مجيء رأس الحسين رضي الله عنه إلى مصر أليس كذلك؟! هي هكذا مصر لها نصيب من كل جميل وعظيم حتى ولو قطعة من جسد. ولكن إليك قصة ثلاثية الأبعاد أختم بها كلامي:
يُروى أن الأم تماف إيريني وهي أم الرهبنة القبطية الحديثة نسبت هي وراهباتها في دير القديس مرقوريوس في القاهرة إبطال قرار مصادرة ممتلكاتهم لصالح وزارة الدفاع إلى شفاعة القديس مرقوريوس!
سأتركك وأنت القارئ الذكي لاستخراج الأبعاد الثلاثة في القصىة الأخيرة.




