في الظل حييت.. بالظل قررت أن أموت.. حراً…

كتب- محمد خلف.
يمكني “حيث لا يراني أحد” أن أفعل ما شئت، أو لا أفعل ما لا أريد، يمكنني العيش بحرية، اتخاذ القرارات بدون خوف؛ لكن ماذا لو كان حيث لا يراك أحد مرئيا للجميع، ولكنه فقط غير ملحوظ؟ اعتيادي بشكل جعله مبهما لا يلفت الأنظار، منضبط بحيث تكاد حركته الرتيبة لا تحسب ولا تذكر أصلا؟
هكذا رأى عقرب ثوان قديم نفسه، بعد سنوات من العمل الجاد لا جدوى، ينتظر مستقبلا لا يأتي، يعمل لترقية لا يحصل عليها، يتخلى عن مفردات حياته الأخرى، فقط كي يكمل المضي في دائرة مفرغة لا تنتهي، حينها يتخذ قراره بالتوقف لأخذ إجازة، حتى وإن عنى هذا له الفناء.
اتخذ العرض المسرحي مكانه في السوق القديم، جاور شجرة لا أظنها عجوز، استضافت فريق العمل بترحاب، حتى أنها حملت عنهم بعض قطع الكرتون المقطعة على هيئة تروس، لتندمج مع جو العرض وتكون جزءا منه، افترشت الأرضية ساعة بيضاء ضخمة عليها عقرب للساعات، عقرب للدقائق، ولم يوجد عليها عقرب للثوان لأنه كان حيا بيننا، يتحدث ويفكر ويتألم، ويتخذ قرار العيش بحرية ليوم أخير قبل الموت، ذلك المصير الذي حتمه عليه قراره الذي اتخذه بملئ إرادته للمرة الأولى، والذي رحب له بسعادة لكونه سوف يذهب شاعرا بالحرية.
يأتي العقرب الشاب المتحمس لاستبداله، فيبدأ بينهما حوار يظهر في البداية كأنما العقرب القديم يغار من خليفته، ولكن يتضح فيما بعد خشيته عليه من مصيره الذي عاناه، قراراته التي اتخذها، حبيبته التي تركها، وحياته التي قرر أن إنهاءها الطريق الوحيد للخلاص.
لم يتجاوز العرض الساعة زمنا أو مكانا، لكنه أثار العديد من الأسئلة بعقلي، كما تماهت مأساة العقربين مع عبثية الحياة الواقعة، لتعكس نظرة عميقة لمؤلف ومخرج العرض، الذي استطاع عبر أفكاره وفريقه اصطحابي في رحلة استمتعت بها، وحزنت حين وصل بنا التصفيق لمرفأ نهايتها.
قدم بولا ماهر في دور العقرب القديم، ومحمود بكر في دور العقرب الجديد، أداءً سلسا غير مفتعل، ينم عن فهم لدوريهما ووعي بالحالة النفسية والعقلية التي أدياها، فتفاوت الأداء بين الميلودراما والحماسية والكوميديا أحيانا، كما أطلت ميرنا نديم في ظهور قصير ناعم كحبيبة العقرب الجديد، تجلت فيه روح الرومانسية بينهما حتى ذهبت، فكساه الحزن تحت مظلة من إضاءات أحمد طارق الموحية بالحالة، وموسيقى حسن سامي المعبرة عنها، وهو ما يشكل تحديا بالنسبة لمثل هذا النوع من العروض، حيث تؤثر الإضاءة والضوضاء المحيطين في جودة المؤثرات الصوتية والضوئية الخاصة بالعرض، كما تؤثر الأصوات والهواء على جودة الصوت.
قدم الممثلون أداء متميزا خلال العرض، لكني أصر على أن النص هو البطل الأول لهذا العرض، ربما لكون مخرجه محمود صلاح هو ذاته المؤلف، لذا تمكن من نقل رؤيته وإحساسه بالكلمات التي كتب مدفوعا بهم دفين في داخله، في شكل صورة حية بديعة.
قام على العرض كل من:
ميرنا نديم، محمود بكر، بولا ماهر تمثيلا؛ ملابس ومكياج ناريمان الملاح وهناء النجدي، ديكور منى سامي، إضاءة محود الحسيني بتنفيذ أحمد طارق.
وقدم العرض ضمن فعاليات مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي، حيث حصل محمود بكر على جائزة لجنة التحكيم الخاصة لمسابقة الفضاءات الغير تقليدية ومسرح الشارع.













