فن وثقافه

واحة الغروب.. بناء بلا أعمدة!

Advertisements

كتب- محمد خلف

قيل لي حين بدأت بكتابة المسرح من أحد مخضرميه ” الدراما حدث.. فان لم تكن قادرا على تحويل السرد لحدث عليك بالتزام الرواية ولا تقرب المسرح”

كما أعلم جيدا أن نص العرض يحسب على المخرج لا المؤلف بسبب التعديلات والتغييرات التي قد يضطر إليها نظرا لمقتضيات العرض وظروفه.

بالنسبة لعرض (واحة الغروب) الذي تقدمه فرقة بورسعيد القومية من إخراج طارق حسن فان العرض يضع المشاهد أمام اختبار صعب، حيث يرى صورة جذابة، يستمع لأغان تصحبها استعراضات منفذة ببراعة بصحبة ألحان سارقة للسمع، مع بعض عناصر تمثيلية أجادت تقديم ما منح لها من أدوار، ولكن…

اذا أمكن لنا تشبيه العرض المسرحي بالخيمة، و تشبيه الأداء، الغناء، الاستعراضات، المؤثرات، الإضاءة، والديكور بأوتادها، فما لا شك فيه أن النص هو عامود هذه الخيمة، الذي لا يمكن تجاهله ولا غض الطرف عنه، ويجب علينا التفرقة هنا بين رواية بهاء طاهر الرائعة، وإعدادها للمسرح بقلم أسامة عبد الرؤوف الذي لم يستطع تحويل العديد من الأحداث لمشاهد تمثيلية واكتفى بنقلها كمونولوجات على ألسنة الشخصيات، فخرج العرض سرديا بغالبيته احتوى على بعض مناطق الأحداث التي لم تستطع كسر حالة الملل التي فرضتها كثافة السرد وتكراره.

لم تغب عن المسرح رؤية المخرج وقدرته على خلق بيئة مسرحية مبدعة لعرضه، حيث قدم مشهدا مرئيا غزير العناصر استلهم في بنائه من البيئة البدوية لمسرح الحدث الذي يدور في واحة سيوة، حيث غلبت على الصورة جزوع النخيل التي جعلها تتحرك في تشكيلات، كما استخدمها في بناء قسم الشرطة واستراحته الذي ضم أكثر مشاهد البطل، كما وضع على الجانب المقابل للمسرح بيتا يبدو من الطوب وهي خامة لم تستخدم في تلك المنطقة في هذه الحقبة، ورغم كبر حجم الموتيفات التي وضعها المخرج على المسرح إلا انه حركها بكثافة في بداية العرض لخلق مواقع مختلفة، ثم تركها ثابتة لفترة طويلة قبل إعادة لتحريكها لمشهد الفنال.

دارت حكاية العرض على محورين أولهما قصة الضابط محمود الذي شارك في الثورة العرابية وتم إقصاءه بتكليفه منصب مأمور الواحة ثمنا لتورطه حيث التقى في القطار كاترين الباحثة الأيرلندية التي ارتحلت إلى الواحة بحثا عن أسرار الحضارة المصرية القديمة بين أحضان الصحراء ليقعا في حب أحدهما الاخر ثم تنتقل معه الى الواحة لتعيش معه كزوجته ليواجه إرث المأمور السابق السفاح الذي حمل بفخر لقب الجزار حيث استمتع بقتل أهل الواحة ودك منازلهم عند تأخر جمع الضرائب فثاروا عليه وقتلوه، اما المحور الثاني فيتناول حكاية المراهقة مليكة ذات الخمسة عشر ربيعا كما جاء على لسان خالها الشيخ يحيى في إحدى المقطوعات السردية التي قدمت لمأساتها، حيث من المفترض أنها أحبت شابا بالواحة لكنه تعرض للقتل فعاشت حاملة ذكراه قبل أن يحكم في جلسة عرفية بزواجها من شيخ مسن ضمن اتفاقية مصاهرة تهدف لإنهاء الخلاف بين الشرقيين والغربيين الذين يحتدم بينهما الصراع من دون تحديد ماهيتهما سواء كانتا قبيلتين أم قريتين او عائلتين متنازعتين، فتجد نفسها مقتادة لفراش شيخ طاعن في السن ترفض اقترابه منها فتعود لبيتها لشتعل الفتنة بين الجهتين من جديد وتستعر بوفاة زوجها قهرا لرفضها اياه بعد أن عشقها حتى تقتلها أمها بعد أن يتقاطع المحوران بزيارة مليكة لكاترين وطلب مساعدتها وهي في حالة هيستيرية تدفع محمود لرفع سلاحه عليها وطردها من بيته، بل وطلب تأديبها من شيوخ القرية، ثم تزداد معضلة محمود وصراعه الداخلي بين انتماءه الداخلي للثورة وانكاره الظاهري لها الذي اضطر له خلال التحقيق ليحافظ على عنقه بعد وصول ضابط آخر يتلقى الأمر بعزله وتولي منصبه، قبل أن يثور عليه أهل الواحة فيقرر تفجير المعبد الذي يتخذه شيخ الواحة والساحرة التي استقدمها من تونس لتساعده على حكم الواحة بالخرافة والنبوءات صارخا بانه سيقتل الخرافة في نسيج درامي مفكك مهترئ غير مترابط ولا يحمل من التسلسل المنطقي ما يمكن ان يمرر السردية التي أثقلت كاهل العرض واصابته بالترهل والاحتشاء بالاضافة لبعض الأخطاء التاريخية حيث لقبت شخصيات عسكرية بألقاب مدنية.

برزت شخصيات على الخشبة بينما قدمت أخرى ظهور باهت لم يلق بمساحاتها من العرض، فنجد محمد جمعة في دور الشيخ يحيى يؤدي دوره باتزان ملتزما ببناء شخصيته في انفعالاته وتحركاته وسلسلة الفعل ورد الفعل الخاصة به، كذلك تألقت أمنية طلعت في دور مليكة كفراشة مليئة بالحياة في البداية، ثم كيمامة ذبيحة تحارب لأجل النجاة، وظهرت إيمان ممدوح لتبعث الرهبة في النفوس بدور الساحرة التي استعان بها الشيخ صابر الذي أداه محمد العشري الذي اجتذب الأنظار بنبراته المتلونة التي استطاع تحميلها المشاعر المتضاربة للشخصية ولغة جسده المتسقة مع ما أراد من الحدث، كما قدم محمد التفاهني دورين (قاض المحكمة العسكرية، المأمور الجزار) تجلت من خلالهما خبرته الطويلة كما اختطف أحمد معطي الضوء في كل ظهور له على الخشبة رغم مساحته المحدودة وأحمد مسعد الذي أبدع في دور الاسكندر المقدوني و ملك في دور نعمة التي اعلنت خلال لحظات ظهورها عن موهبة لم تستغل بالشكل الأمثل.

عانى العرض على الجانب التمثيلي من فوضى لهجات غير مبررة، فتارة هي الفصحى وتارة هي العامية، ثم تداخلت اللهجات الصعيدية مع الفلاحي مع البدوية في خليط غير متجانس، فاذا بررنا مستويا اللغة الفصحى والعامية بتباين مستويات الدراما حيث استخدمت العامية في الحوار بين الشخصيات والفصحى للمقاطع السردية لكان الأمر مبررا، لكن الفصحى غزت العديد من الحوارات بين الشخصيات، كما يظهر خطأ في تقدير أعمار الشخصيات حيث تظهر مثلا والدة الشيخ يحيى الذي يظهر منذ البداية للنهاية محني الظهر أشيب الشعر واللحية أكثر حيوية وعنفوان منه، كما تتحدث شقيقته خديجة عن رغبتها بالزواج وغيرتها من ابنتها التي طلبها الشيخ للزواج، وهو ما يمكن قياسه على كل مشايخ القرية الذين بدوا طاعنين في السن وكأن القرية تفتقر للشباب، كما قام المخرج بتسجيل الكثير من الحوارات التي تدخل ضمن مساحات التمثيل بشكل غير مبرر يعد اهمها مونولوج خديجة الام بعد صحوتها واستيعابها انها قتلت ابنتها بيديها.

الحق ان هذه تجربتي الأولى مع أعمال المخرج طارق حسن، رغم كونه من أحد أهم الأسماء على الساحة، لكن بصماته الإخراجية واضحة لاتخطئها عين، تصرخ بمخرج صاحب رؤية، ولكن لا شيء يغفر للمخرج إساءة اختياره للنص الذي فرض عليه ما تلاه من أخطاء من اساءة تسكين بعض الادوار الرئيسية، عدم الاستفادة من الديكور، عدم الاستفادة من بعض الممثلين، الاعتماد على الادارة المسرحية لتحريك الموتيفات بدون اشراف تنج عنه اخطاء في تركيب سينوغرافيا بعض المشاهد، فوضى اللغة وعدم انضباط فني الاضاءة الذي لم يمنح فريق الادارة المسرحية الوقت الكاف لتحريك القطع في الظلام فظهرت في الكثير من المناطق تحركات سواء للقطع أو الأشخاص لم يكن لها ان تظهر، فأضاع جهده وظلم فريق عمله الضخم حيث خرج العمل في النهاية رغم الجهد وعلى الرغم من عناصره الجيدة مهلهلا غير متماسك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى