فن وثقافه

قطاران بلا وجهة.. مسافران بلا ذاكرة.. ورواية تحوم حولها الشبهات!

Advertisements

كتب- محمد خلف

 

يبدو أن في القطارات ما يذهب العقل.

روايتان تشاركتا المكان والظرف والبداية، حيث يجد البطل نفسه على متن قطار بلا مخرج، غادرت رأسه الذكريات، تركته يلاحق الدلائل بحثا عن ذاته.

بدأت قراءة رواية (قارئة القطار) للكاتب إبراهيم فرغلي لتدفع صفحاته الأولى بذكرى رواية من أكثر ما قرأت تفضيلا، إحدى الأعمال القلائل لصديقي عادل السمري (العربة الأخيرة للقطار) فاندفعت اطارد الصفحات متتبعا آثار جريمة سرقة أدبية تلوح أمام عيني.

تتبعت خطوات الصيدلي الساع الى عمل ي مدينة بعيدة هربا من بيت أهل لم يجد بينهم الراحة، انطلاق القطار من دونه،ركضه خلفه، فقدان حافظته، ثم تبخر ذاكرته الذي جاء كزناد تفجير الحكاية حين اكتشف وجوده على متن قطار بلا وجهة، يمضي بلا محطات، وقوده القراءة وقضبانه الحياة، يسري في عالم يحيا فيه من مات هناك ويموت فيه من يحيا هناك.

يجلسنا الكاتب على كتف المجهول لنفسه المعلوم لكل من حوله يقص علينا بأسلوب المتحدث رحلته منذ استيقظ من نومه على كرسي المقهى وحتى قراره الأخير، يسمعنا ما استمع إليه من سيرة لحياته لا يعلم مدى صحتها، لكنه لم يجد لها بديل، يحيا الصراع لاكتشاف ذاته مقاتلا الزمن الغير موجود، المكان الثابت، والأشخاص الذين لا يعرف مدى واقعيتهم، لكنهم هناك، وعليه التعامل معهم، كما نحيا معه حياة تقصها عليه القارئة فيصغي لتملأ إناء ذاكرته الفارغ بقصة لحياة ربما كانت له في حياة أخرى، بين الزرقاء التي ترى الكلمات بين ظلام العمى، ذكرى التي بادلها عشقا جاءت ثمرته فتنة، إلهام التي ظلت تمنحه من الحكايات مالم يرو ظمأه فصارت ضحية له، وكتاب للأحلم تارة وللأوهام أخرى يقرأ فيه حيوات ظن أنه خالقها، محطة أخيرة دق جرس الوصول إليها الموت، وقرار بالبقاء في التيه الذي أصبح عالمه.

العبث كما يجب أن يكون في رواية تبدأ ببطء انطلاقة القطار المتثاقلة ثم تكتسب السرعة ببطء لتنطلق معها دون أن تشعر، بلا مبررات، أسباب، استطرادات، أو نتائج، هو فقط صعد إلى قطار لن يغادره أبدا.

هنا اختلفت قارئة فرغلي عن عربة السمري التي أسرتني حين قراتها منذ سنوات، تشهد القارئة رحلة بحث فلسفية عن ذات مفقودة، بينما تحتضن العربة صراع لإيجاد ذاكرة مذنبة تخضع للمحاكة.

تشابهت الفكرتان بشكل لافت، لكن القضية، الطرح، الأسلوب والحكاية ذاتها بعيدان كل البعد عن بعضهما، وهو ما يطرح أسئلة يمكن ان تثير الجدل: هل اقتناص كاتب لاحق لفكرة سبق تقديمها ثم العمل عليها بشكل مغاير هو نوع من السرقة؟ هل هذا ما فعل فرغلي؟ أم ان توارد الخواطر يمكن ان يفرض التشابه المبالغ فيه بغير قصد؟ أسئلة لن تجد إجابة شافية، لكن الواقع أن محل الخلاف روايتان جيدتان تستحقان القراءة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى